أخواني من ابتغى العزة في غير الاسلام أذله الله تعالى على رؤوس الأشهاد ، وخاب وخسر على مرأى من العباد . قال صلى الله عليه وسلم " كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة " ، فالخيلاء هو التكبر ، وينشأ عن فضيلة يراها الإنسان في نفسه فيترفع بها على الناس ، فيتكبر عليهم ويتعاظم ، وأمواج المعاصي به تتلاطم ، ولم يعلم أن من تواضع لله رفعه ، ومن تعاظم على الله وضعه .
قال صلى الله عليه وسلم " أزرة المسلم إلى نصف الساق ، ولا حرج عليه فيما بينه وبين الكعبين وما كان أسفل الكعبين فهو في النار " ] حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وغيرهما [ ، لقد تجبر كثير من الناس ، وطغوا وبغوا ، وعن الحق زاغوا ، فارتكبوا محارم الله تعالى ، وتركوا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، فهم للنواهي مرتكبين ، وللأوامر معرضين ، وعن الجنة راهبين ، وإلى النار راغبين . لقد تناس كثير من الناس حرمة الإسبال في اللباس ، فجزوّا ثيابهم حمقاً وجهلاً ، متناسين حرمة ذلك عليهم ، فقد جاء في الحديث أنّ أزرة المسلم ما بين الكعب إلى نصف الساق ، فمن أرخى ثوبه عن الكعب فقد وقع في الحرام ، وعرّض نفسه للعذاب والآلام ، ومن رفع ثوبه فوق نصف الساق فقد تنطع في دين الله ، وابتدع فيه ، وقال صلى الله عليه وسلم " هلك المتنطعون ، هلك المتنطعون " ] رواه مسلم [ . فإسبال الثياب في حق الرجال أمر محرم شرعاً ، لما يسببه من مفاسد تضر بالفرد والمجتمع ، من كبرٍ وعنادٍ وجرٍ للأوساخ وحملٍ للقاذورات .
أيها المسلمون : الإسبال خطره عظيم ، وذنبه جسيم ، فهو سبب لعدم قبول العمل الصالح ، وسبب لرد الدعاء ، قال صلى الله عليه وسلم " وإنّ الله لا يقبل صلاة رجل مسبل " حديث ضعيف ، يعضده حديث ابن مسعود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من أسبل إزاره في صلاته خيلاء ، فليس من الله في حل ولا حرم " . وأماّ في عدم قبول الدعاء ، " فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يارب ، يارب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغُذي بالحرام ، فأنّى يستجاب له " ] مسلم [ ، فاحذر يا من تسبل إزارك ، يا من تجر ثيابك ، احذر من عاقبة ذلك ، فإنه لا يقبل منك عمل ولا يرفع لك دعاء ، انتبه أيها المسبل فأنت على خطر عظيم ، ومُتَوعد بالعقاب الأليم ، وصلاتك وأنت مسبل إزارك محل نظر من حيث الصحة ، لأن الثوب الطويل الذي هو أسفل من الكعبين ثوب محرم ، والصلاة في الثوب المحرم غير صحيحة عند جمع من العلماء ، وصحيحه مع الإثم والذنب عند آخرين ، فالأمر عظيم ، والخطب جسيم ، فيا ويلك يا مسكين إن لم تُقبل لك صلاة ، ولم يُرفع لك دعاء ، ألم تعلم أنّ أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من أعماله الصلاة ، فإن صلحت صلح سائر عمله ، وإن فسدت فسد سائر عمله ، فكيف تعرض على ربك صلاة ناقصة مخدوشة ، فما فائدة الأعمال إن لم تقبل الصلاة . قال صلى الله عليه وسلم " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ، ولا ينظر إليهم ، ولا يزكيهم ، ولهم عذاب أليم : المسبل إزاره ، والمنان فيما أعطى ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب " [ رواه مسلم ] ، وقال صلى الله عليه وسلم " من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة " [ رواه البخاري ] ، في هذين الحديثين دلالة على تحريم إسبال الثياب ، وأن الله تعالى يعاقب على ذلك أشد العقاب ، وأن سبب الإسبال هو الكبر والعناد ، والإستهزاء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن كان السبب هو الخيلاء ، فيخشى على من فعل ذلك من العقوبة العاجلة قبل الآجلة ، ومن أسبل ثوبه مستهزئاً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فهو كافر والعياذ بالله .
معاشر المسلمين : إن الإسبال في جميع الملابس حرام ، وجاء تحريمه على لسان أصدق البشر محمد صلى الله عليه وسلم مستمدّاً ذلك من شريعة رب البشر . إنّ أسباب الإسبال لا تخرج عن الخيلاء والكبر والتعاظم على الله وعلى خلقه ، فقد قال صلى الله عليه وسلم " إرفع إزارك إلى نصف الساقين ، فإنّ أبَييت فإلى الكعبين ، وإيّاك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة ، وإن الله لا يحب المخيلة " ] حديث صحيح رواه أحمد وأبو داود والترمذي [ . إنها حقيقة مرة ، وواقعة مؤلمة ، يحاول الفرار منها كل مسبل لإزاره ، وكل جار لثوبه . قد يقول من لا نصيب له من العلم ولاحظ له من الفهم ، أنه يسبل ثوبه خشية من الناس وخوفاً ، والله تعالى يقول " أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين " . أو يقول : يسبل إزاره من الناس حياءً ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول " فالله أحق أن يستحيا منه " . ومن الناس من يطيل ثوبه عادةً وتقليداً ، فقد كذب وما صدق ، فعن الحق حاد ، وإلى الباطل عاد ، العادة والعرف إذا خالفت الشرع المطهر ، لا حاجة إليها ، ولا داعي لها ، بل يضرب بها هنا وهناك . فأين تذهب من تلك الأدلة يا مسبلاً إزارك ، ويا جاراًّ لثوبك ، أتراك تدس رأسك كالنعامة في التراب ، أم تقول كما قالت اليهود " سمعنا وعصينا " ، فمسخهم الله قردةً وخنازير . ما أحرانا بالتمسك بالكتاب العزيز ، واتباع سنة سيد المرسلين ، ففيهما الفوز والنجاة . الفوز بالجنة والنجاة من النار . قد يقول قائلهم إن أبا بكر رضي الله عنه كان يجر ثوبه ، فنقول له : إن كنت تريد عن ذلك دليلاً للإسبال عليه تستند ومنه تستفد ، فكلامك حلواً يحمل سمّاً رعافاً ، ظاهره فيه الرحمة ، وباطنه من قبله العذاب ، نعم إن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه عندما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول " من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامه " فقال أبو بكر : إن أحد شقّ إزاري يسترضي إلا أني أتعاهده ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لست ممن يفعله خيلاء . فالنبي صلى الله عليه وسلم شهد لأبي بكر بالجنة وشهد له بأنه ممن لا يسبل إزاره خيلاء ، ولكنه كان رضي الله عنه رجلاً نحيفاً قليل اللحم لا يستقر عليه إزاره فيسترخي وكلما استرخى تعاهده مزقه .
فيا من تسبل إزارك وتطيل ثوبك : هل شهد لك النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة ؟ هل زكاك النبي صلى الله عليه وسلم وشهد لك بعدم الخيلاء ؟ هل تتعاهد ثوبك كلما نزل عن كعبك ؟ .. لا أظنك إلاّ ستقول في قرارة نفسك لا ، وهذه هي الحقيقة .
أيها المسبل .. أيها الجار لثوبه خيلاء : يا من تُسبل إزارك خشية من الناس وحياءً .. أما آن لك أن تتوب إلى ربك ، أما آن لك تعود عن غيّك وتعود إلى رشدك ، إتق الله واستحي من الله ولا تخشى إلاّ الله ، ولا تأخذك في دينك لومة لائم ، ولا نعيق نائم ، ولا همهمة قائم . ما قيمة حياة لا تقبل فيها صلاة ، وما قيمة حياة لا يرفع فيها دعاء ، وما قيمة حياة ينتظر صاحبها البطش والعذاب في قبره ويوم محشره . واعلموا عباد الله أن الإسبال ليس في الثياب فقط ، بل في القميص وكم الثوب ، فلا يتعدى الرسغ ، هكذا كان كم النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي العمامة فلا تصل إلى الإلية بل تكون فوقها ، وأفضل من ذلك أن تكون في وسط الظهر ، قال صلى الله عليه وسلم " الإسبال في الإزار والقميص والعمامة ، من جر شيئاً خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة " ] حديث صحيح رواه أهل السنن إلاّ الترمذي [ . ومن الألبسة المحرمة على الرجال لباس الشهرة وهو اللباس الذي لم يتعهد الناس لبسه بينهم فهو حرام للنهي الوارد عنه . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : " ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون * إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار