لم تزل صدمات الغزو الوحشي اليومي على غزة تروعنا في كل لحظة من يقظة، تقض مضاجعنا في كل سنة من نوم، تصحبنا في كل خطوة من سير، مصارع الأبطال والأطفال لا تكاد تغيب عن أعيننا، والغضب المحتشد في صدورنا لا يجد له متنفسا واقعيا يرضي غيظنا، ويشفي صدورنا في الجماجم المحشوة همجية وحقدا معتقا!!
وحين نبتعد قليلا عن وسط المعركة، ونطل من أعلى أبراجنا التي صنعناها بأيدينا من قش الحياة الرتيبة؛ لنرى هذه النفوس المبدعة التي تعيش في مدينة كل ما فيها هدف لمرمى متعطش للدم المسلم من كل الأعمار!! لا فرق بين دار عبادة ولا مدرسة ولا بيت كل من فيه أطفال ونساء!
ماهذا؟ كيف يعيش هؤلاء؟ لماذا لم يتدفقوا على المعابر كما يفعل الناس في كل الحروب؟ لماذا لم يبحثوا عن مأوى آمن؟ لماذا لم ينادوا بحق اللجوء المعتاد في الأزمات؟ لماذا هذا الإصرار على خوض المعركة ولو بدون أي سلاح؟ «حتى لو هدموا علينا بيوتنا لن نخرج» هكذا يرددون، فهل يمكن أن تهزم مدينة مثل هذه؟!
إنهم أصحاب قضية يعيشونها ويعيشون من أجلها، ومثل هذه الأيام الحمراء ليست بعيدة عن أحلامهم، بل هي متوقعة بين حين وحين، وكل ذرة في كيان كل منهم كانت تستعد وتتحفز لهذا اللقاء غير المتكافئ في المفهوم العسكري البشري، ولكنهم يعلمون بأن أعداءهم يألمون كما يألمون، ويرجون من الله ما لا يرجون.
إنه شرف الدفاع عن الأرض المباركة، الذي مات الملايين من المسلمين دونه، وهم يتمنونه، فكيف بمن يعيش من أجله، وفي بحبوحته؟!
إنها العزة التي نمت عليها جذور الإنسان الفلسطيني، مع تواصل مراحل التركيع الصهيوني الفاشل، خلال أكثر من ستين عاما.
إنه تثبيت الله تعالى لهم، {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة}، وأي علامة على ذلك، وأنت ترى نوافير التشهد والحمدلة والتكبير في أتون الضربات والنيران وشلالات الدم؟!
كل غزة أصبحت أسرة واحدة، تكافل اجتماعي منقطع النظير، لم تعد لقمة أحدهم له ولأولاده فقط، مائدة واحدة تجمعهم على كسرة خبز تبلل بالماء لتكون بلغة في سط حصار خانق!!
والمرأة وراء كل عظيم، ليس سهلا على قلبها أن يقضي ابنها تحت القصف، ولكنه المنهج الذي أعلنته أم محمد حين قالت: «نحن أمهات.. نحمل كل مشاعر الأمومة، لكن علينا رسالة أكبر، هي إعداد أبطال لتحرير هذا الوطن.. لكم تتفطر قلوبنا عندما نسمع أنباء استشهاد أبنائنا، ونكتم صراخنا داخلنا، وأحيانا تأبى دموعنا أن تخرج حتى تزيدنا قوة وصمودا». وهو صدى ما قاله محمود الزهار حين استشهد ابنه الأصغر حسام في هجوم سابق على غزة وكان يتحدث معه حول زواجه: «نحن نقدم هؤلاء الشهداء ليس من باب الترف وليس لأن قلوبنا متحجرة، فنحن آباء ونعرف ماذا يعني فقدان الولد، ولكن لأن فلسطين غالية، ولأن الجنة أغلى، ولأن التحرير والكرامة أفضل من أن نظل سنوات طويلة تحت الاحتلال، ثم قال: «إنني في وداع أحب الناس إلى قلبي... الفراق صعب، ولكن الذي يصبرنا هو دعاؤنا المستمر أن يثبتنا الله، وعهدي إلى حسام وخالد وكل الشهداء أن لا نقيل ولا نستقيل حتى تحرير كل الأرض الفلسطينية ودخول القدس».
إنها معان لا يمكن صناعتها في جو آمن، وحياة رغيدة، بل تحتاج إلى تنور الحرب حتى ينضجها!
إن ما أصاب غزة يمكن أن يقع بأية بقعة على الأرض، ولذلك كان من الضروري أن يتربى الجيل على الخشونة، وتقَبُّل الأوضاع مهما كانت، والصبر على تغير الحال وتبدلها، والاحتساب في الملمات، والإيثار حين تجف الحياة حتى من المياه.
نعم نحتاج إلى وصية عمر إلى عماله في أذربيجان حين قال لهم: «وإيَّاكُمْ والتَّنَعُّمِ وَزِيِّ العَجَمِ، وعليكُمْ بالشَّمسِ، فإنها حَمَّامُ العَرَبِ، واخْشَوْشِنُوا واخْلَوْلِقُوا» رواه ابن حبان في صحيحه، وله أصل في مسلم.
إن دوام الحال من المحال، {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58)} [سورة القصص 28/58].
وحتى نرى أننا قدمنا شيئا لأهل غزة، فعلينا أن ندفع عنهم ضراوة التأثيم من مردة الكتبة والإعلاميين، ونكتشف من خلال محنتهم الصديق من العدو، فقد فسخت بعض الحيات جلدها، وتبدت لكل ذي عينين، علينا أن نريهم منا خيرا، بإعمار أرضهم، وكفالة أسرهم، وأيتامهم وأطفالهم، ونخلص لهم الدعاء أن يفرج الله العظيم الجليل همهم، وينفس كربتهم